ابن حزم

793

الاحكام

الباب السادس والثلاثون في إبطال التقليد قال أبو محمد علي : علي بن أحمد : علي : اعتقاد المرء قولا من قولين فصاعدا ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم ، فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين : إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده ، فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده ، يخلو أيضا من أحد وجهين : إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته ، وإما أن يكون اعتقده بشئ يظن أنه برهان وليس ببرهان ، لكنه شغب وتمويه موضوع وضعا غير مستقيم . وقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم بالتقريب وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة إنما هو نص القرآن ، أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين . وأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهانا ، فمن أنواعه : القياس والاخذ بالمرسل ، والمقطوع ، والبلاغ ، وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب . وأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده ، فإنه لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون اعتقده لشئ استحسنه بهواه ، وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان ، ودعوى الالهام ، وإما أن يكون اعتقده لان بعض من دون النبي صلى الله عليه وسلم قال ، وهذا هو التقليد ، وهو مأخوذ من قلدت فلانا الامر ، أي جعلته كالقلادة في عنقه ، وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه ، وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم ، فقالوا : نقلد بل نتبع . قال أبو محمد : ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم ، لان الحرم إنما هو المعنى ، فليسموه بأي اسم شاؤوا ، فإنهم ما داموا آخذين بالقول ، لان فلانا قاله دون النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم عاصون لله تعالى ، لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه . ويكفي من بطلان التقليد أن يقال لمن قلد إنسانا بعينه : ما الفرق بينك وبين من